الثلاثاء , 23 أكتوبر 2018
اخبار الجمعية

التحريات الجيولوجية والهندسية لأخطر سد في العالم سد الموصل

نبذه تاريخية يعتبر نهري دجلة والفرات والروافد الأخرى المصادر الرئيسية لموارد العراق المائية. وأن معظم المياه الواردة فيهم تنبع من تركيا (71%)ومن ثم إيران (7%)وسوريا (4%)أما الباقي (8%)فهو من  المصادر الداخلية. ويقدّر المعدل السنوي لوارد نهر الفرات بمقدار  (30)مليار متر مكعب وتتذبذب هذه الكمية بين (10)مليارات متر مكعب كحد أدنى إلى (40)مليار متر مكعب كحد أعلى، ولا يمتلك نهر الفرات أية روافد تصب فيه داخل الأراضي العراقية. أما المعدل السنوي لوارد نهر دجلة فيقدر  بنحو (21.2) مليارمتر مكعب من المياه التي ترد في عمود النهر من تركيا يضاف إليها (24.78)مليار متر مكعبمن الروافد. وهناك (7) مليارات متر مكعب من الأنهر الحدودية القادمة من الأراضي الإيرانية.  أما مصادر المياه الجوفية فهي بحدود (1.2)مليار متر مكعب، وتكون (2%)منالواردات المائية للقطر. لقد بدأ العراق بالسيطرة على موارده المائية عام (1939) بإنشاء سد الكوت على نهر دجلة. أما إنشاء السدود الخزنية لغرض ترويض الأنهار فلم تبدأ حتى النصف الثاني من القرن العشرين، واعتبر الهدف الأولي منها حماية العاصمة بغداد والمدن الرئيسية من أخطار الفيضان. وكان أول سد خزني كبير للحماية الفيضانية وخزن مياه الري وتوليد الطاقة الكهربائية هو سد دوكان الذي أنجز عام (1958)، تبعه إنشاء العديد من السدود الأخرى لنفس الأغراض. أما المنخفضات الطبيعية مثل خزان الثرثار  وبحيرة الحبانية فقد تمت الاستفادة منها لأغراض الري والحماية الفيضانية أيضاً.إن مقترح تنفيذ سد الموصل ظهر للمرة الأولى عام (1950) باسم سد أسكي موصل لكون السد المقترح يقع مسافة (12) كيلومتر من أسكي  موصل بالقرب من قرية (ضوء القمر). وكان هذا الموقع قد تم اقتراحه من قبل  شركتان بريطانيتان متنافستان. ولم يكن هذا هو الاختيار النهائي للموقع فقد تعاقبت الدراسات والتحريات واختيار مواقع جديدة من قبل أربع شركات استشارية على التوالي حيث تغيرت أهداف الحكومة العراقية من ري مساحة  (2500) كيلومتر مربع تشكل أراضي مشروع الجزيرة الشمالي والجنوبي والشرقي إلى إضافة مساحات جديدة للإرواء في محافظات الموصل وبغداد والكوت والعمارة والناصرية والبصرة بحيث أصبحت المساحة الكلية (7500)  كيلومتر مربع، وبالتالي فقد تغير موقع السد عدة مرات وأجريت العديد من حملات التحريات الجيولوجية والتصاميم الأولية، ولم يحسم الأمر إلا في سنة (1974)، حيث تم اختيار موقع السد ومحوره الحاليين وأجريت عليهما وجبة جديدة من التحريات الجيولوجية المكثفة و التفصيلية التي أنجزت أخيراً عام  (1978). ولقد أتفق جميع الاستشاريون الذين عملوا على تحريات وتصاميم سد  الموصل على صعوبة الأسس وتعقيدها في كافة المواقع محل البحث بسبب وجود الصخور الجبسية ذات قابلية الذوبان العالية في الماء في تلك الأسس، وأجمع كلهم على ضرورة القيام بأعمال مكثفة لتحشية الأساسات كإجراء وقائي لحماية السد من الانهيار. وأخيراً، تم توقيع العقد مع اتحاد الاستشاريين السويسريين لوضع التصاميم النهائية وتقديم التقرير التخطيطي ومستندات عقود التنفيذ سنة (1978). أعقبها إحالة عقد تنفيذ الأعمال المدنية والهياكل الحديدية إلى اتحاد من ست شركات كبيرة، ثلاث منها ألمانية وثلاثإيطالية، أما عقود تجهيز ونصب المحطات الكهربائية فقد أحيلت إلى شركه يابانية وثانيةنمساوية وثالثة إيطالية، وتجدر الإشارة إلى أن المشروع يتكون من ثلاثة عناصر، الأول هو السد الرئيسي ومنشئاته الخرسانية الهيدروليكية مع محطة التوليد الملحقة به بسعة (750) ميكاواط، والعنصر الثاني هو السد التنظيمي الواطئ على مسافة (8) كيلومترات مؤخر السد  الرئيسي ليقوم بتنظيم الإطلاقات من السد الرئيسي وتوليد طاقه إضافية بسعة (60) ميكاواط من المحطة الملحقة به، و أخيراً  العنصر الثالث وهو مشروع الخزن بالضخ الذي تبلغ سعته التوليدية (200)  ميكاواط وتقع فيه المحطة في باطن المرتفع على الجانب الأيمن من السد بينما يقع خزانه العلوي فوق سطح  قمة هذا المرتفع. وهناك محطه رابعة وهي محطة منفذ قناة مشروع الجزيرة الجنوبي بسعة (50) ميكاواط لم تنفذ لغاية الآن. أنجزت الأعمال الإنشائية في المشروع عام (1985) بكلفة اجمالية بلغت (2.6) مليار دينار وفقاً لمستويات الأسعار لعام (1985). وتجدر الإشارة بأن ستارة التحشية العميقة في أساس السد لم تكن قد أنجزت لغاية ذلك التاريخ بسبب المشاكل الفنية التي ظهرت في حينه ولم يكن بالإمكان التغلب عليها، كما سيرد شرحه لاحقاً. مع العلم بأن هذه الستارة تعتبر أحد إجراءات سلامة السد الأساسية كونها تعمل على تقليل الرشح في أساسات السد وتقلل ذوبان الصخور الجبسية إلى الحدود الأمينة.تفاصيل عن سد الموصل و المشاكل فيه يقع سد الموصل على بعد (80) كيلومتر من الحدود العراقية التركية وكذلك نفس المسافة من الحدود العراقية السورية إن ارتفاع السد من أوطأ نقطة في النهر يبلغ (113) متراً وهو بطول كلي يربو على (3.4) كيلومتر، أما عرض قمته فيبلغ (10) أمتار. تتكون أسس سد الموصل من طبقات صخرية تعود بالأصل إلى تكوين الفتحة الجيولوجي، وهو تكوين تكثر فيه الطبقات الصخرية الجبسية ذات القابلية العالية للذوبان في  الماء وبثخن قد يبلغ (18) متراً للطبقة الواحدة في بعض الأحيان، كما تتخللها طبقات خفيفة من الطين بالإضافة إلى طبقات من حجر الكل المتآكلة والمتكسرة وحتى المتكهفة، فتتكون مجاري واسعة لجريان المياه الأرضية فيها ومن خلالها. لذا أدت هذه التركيبة الجيولوجية المعقدة إلى المشاكل الكبيرة في سد الموصل سواء عند التنفيذ أو لاحقاً عند إملاء الخزان وبعدها عند التشغيل. ومن هذه المشاكل تدفق مياه الرشح بعد المباشرة  بإملاء الخزان مباشرة وتحديداً في شتاء عام (1986)، فظهرت ينابيع الرشح من تحت السد في الكتف الأيسر وفي مقطع النهر مما تتطلب القيام بالتدخل المكثف والسريع لتقوية أعمال التحشية في هذه المناطق نظراً للأخطار المحدقة بالسد والمتمثلة في إذابة الصخور الجبسية في الأسس في هذه الأماكن خاصة وأن نسبة كبريتات الكالسيوم في المياه الراشحة ازدادت بدرجة كبيرة مما يؤشر على حصول حالة ذوبان هذه الصخور تحت تأثير الضاغط  المائي الناجم عن امتلاء الخزان. ولم يكن الأمر مقصوراً على هذا، فقد كانت هناك مشكلة أكبر ظهرت في بداية عام (1985)، فقد كانت أعمال تحشية ستارة التحشية العميقة قد تعثرت بشكل كبير أيضاً. وكان السبب هو وجود تعقيد جيولوجي آخر يتمثل بوجود أربع طبقات من الصخور الجبسية المتهشمة والهشة والمختلطة مع دقائق من الطين غير المتماسكة في أعماق مختلفة في مقطع النهر سميت طبقة البريشيا الجبسية رقم (0) تليها باتجاه الأعلى صعوداً الطبقات الأخرى حتى طبقة البريشيا الجبسية رقم (3) التي تقع  مباشرة تحت أسس منشأ مذب المسيل المائي لقد أظهرت هذه  الطبقات مقاومة شديدة للحقن أي التحشية، وكان واضحاً للجميع عند المباشرة بالخزن وازدياد منسوب الخزان أن هناك مناطق ضعف كبيره في الستارة في المناطق التي تخترق فيها الستارة طبقات البريشيا هذه حتى قد سميت تلك المساحات غير المحقونة ب (الشبابيك)، كما لوحظ لاحقاً تدهور وذوبان في المناطق التي سبق تحشيتها من تلك الطبقات.طبقات البريشيا الجبسية  في أسس منشأ المسيل المائي لقد افترض الاستشاري المصمم عند إعداده التصاميم بأن أعمال التحشية لن تلقى أي عائق خلافاً لما ظهر لاحقاً، غير أن المحاولات استمرت في معالجة الستارة خلال الأعوام (1986) و(1987) بتجربة طرق ووسائل ومواد جديدة دون جدوى. وأخيراً، أقر الجميع بأن هذا الأمر غير ممكن من الناحية الفنية والعملية، لذا اعتبرت أعمال التحشية في الستارة أعمال ذات طبيعة مستمرة كأعمال صيانة دائمية يجب أن تمتد إلى أجل غير مسمى. وهكذا، فإن أعمال التحشية قد استمرت خلال الثلاثين سنة المنصرمة دون أمل في توقفها في أي وقت في المستقبل، وبلغت كميات مواد التحشية المحقونة منذ عام (1986) لغاية منتصف (2014) ما يزيد عن (90000) طن من مواد التحشية الصلبة. وفي هذا الصدد، فإنه وخلال هذه الفترة كثيراً ما تطلب الأمر التدخل العاجل والسريع عند اكتشاف كهوف ذائبة تتخلل الستارة بضخ كميات كبيره جداً من مزيج التحشية وبصورة سريعة للغاية للتغلب على ضغط المياه المتدفقة من خلاها. كما استدعى الأمر اعداد خليط من مزيج التحشية الثخين القوام بإضافة الرمل إليه لإمكانية إملاء التكهفات، كما استدعى الأمر أيضاً استعمال وسائل للتدخل الواسع والسريع بوضع ثلاثة أنابيب حديدية تخترق جسم السد من القمة إلى رواق التحشية لكي  يتم ضخ مزيج التحشية من خلالها إلى الرواق ومن ثم إيصاله إلى نقاط التحشية المعنية. أما مزيج التحشية فيتم خلط المواد الجافة (الإسمنت والرمل) في معمل خلط الخرسانة لينقل بعدها بواسطة الخباطات السيارة إلى معمل خلط مزيج البنونايت والماء حيث يضاف المزيج المذكور مع المواد الجافة قبل نقله إلى مواقع أنابيب التجهيز على قمة السد.لم تقتصر المشاكل على ما يحصل في ستارة التحشية العميقة فحسب، بل تعدى ذلك إلى ظهور خسفات أرضية وأنفاق ذائبة في حافات الخزان وعلى أعماق مختلفة منه بعد الإملاء الأولي له بالإضافة إلى خسفات أرضية متطورة أخرى مؤخر السد في الجانبين الأيمن والأيسر وحوله، مما يؤشر على تكون شبكة متطورة من قنوات الذوبان التحت سطحية والتي ظهرت في عقد التسعينيات، وفي الشكل مثال من أحد تلك الخسفات في الجانب الأيسر ليس بعيداً عن قاعدة السد. كما أظهرت دراسة حديثة بعد إجراء مسح قعري للخزان وجود الكثير من الخسفات المختلفة بالأبعاد والأحجام في قعر الخزان نفسه. إحدى الخسفات الأرضية التي ظهرت في مؤخر السد    مثال لأحد أنفاق الذوبان في حافة الخزان لقد بقيت مجريات كافة هذه الأمور قيد التداول الشبه سري وضمن دائرة ضيقة جداً حتى كشف عنها فيلق المهندسين في الجيش الأمريكي بعد احتلال العراق عام 2003 و بعد أن تعاقد مع تحالف شركة واشنطن كروب انترناشنال الأمريكية مع شركة بلاك اند فيج البريطانية للقيام بإعداد دراسة معمقة عن حالة السد واقتراح الحلول لزيادة سلامته، فقدمت الشركتان تقريرهما في آب (2004) الذي سلط الضوء على الاحتمالية الكبيرة لانهيار السد. وقد أوصى التقرير بضرورة استمرار أعمال التحشية وتحسين الإمكانيات لها كإجراء قد يمدد من عمر السد، إلا أنه لن يلغي احتمالية انهياره يوماً ما. كما أوصى التقرير بإكمال انشاء سد بادوش كما سبق التخطيط له كسد حمايوي على اعتباره الإجراء الوحيد الممكن لحماية حوض نهر دجلة من الغرق،  علماً بأن السد المذكور يقع على مسافة (30) كيلومتر أسفل سد الموصل، وأن أسسه من حجر الكلس الصلد وسعته المخصصة للحماية تكفي لاستيعاب الحجم الكلي للموجه الفيضانية المتحققة من انهيار سد الموصل. ولابد من القول أيضاً، أنه وفي ضوء تطور الخسفات في موقع السد فقد قامت وزارة الموارد المائية بتحديد المنسوب التشغيلي الأعلى للخزان بما لا يزيد عن منسوب (219) متر فوق مستوى سطح البحر بدلاً من المنسوب التصميمي البالغ (330) متر فوق سطح البحر. عواقب وآثار انهيار سد الموصل إن المشاكل التي تم عرضها قد أثارت المخاوف و الشك حول كفاءة أسس سد الموصل وبالتالي سلامته. وعليه قامت الشركتان المتعاقدتان مع فيلق المهندسين في الجيش الأمريكي سنة (2004) بمراجعة تقرير دراسة الموجة الفيضانية في حالة انهيار السد المعدة سنة (1984) وبالخصوص الطرق الرياضية المستعملة والمدخلات في النماذج الرياضية ومن ثمّ المخرجات الناتجة من تلك الحسابات والمتمثلة بتصاريف الموجة على طول مسارها جنوباً والتغيرات في ارتفاع الموجة والمساحات المغمورة خلال ذلك الحدث، وقد جاءت نتائج هذا التدقيق إلى تطابق نتائج المراجعة مع النتائج من الدراسة الأصلية.إن من الثابت الآن أن سد الموصل قد تم بناؤه في المكان الخطأ لتحكمه بحوض نهر دجلة بالكامل. وبالعودة إلى تقرير الموجه الفيضانية المعد سنة (1984) لابد من تسليط الضوء على ما جاء فيه من نتائج كارثية وبالأرقام، ففي الشكل رسوماً بيانية لتوضيح لهذه المتغيرات كما أن الجدول يعطي بالأرقام تصاريف الموجة عند مرورها بالمواقع المهمة على مسار النهر وتغير ارتفاع  ارتفاعها وأوقات وصول الموجة، بالإضافة إلى المساحات التي ستغرقها المياه في المدن الرئيسية التي تمر بها. أما الشكل الآخر الذي ورد في دراسة أجريت سنة (2015) من قبل الدكتور نضير الأنصاري البروفسور في جامعة لوليو  السويدية و المؤلف الرئيسي لهذا الكتاب، فيعطي صورة واضحة عن امتدادات  المساحات المغمورة بمياه الموجة، وهي المساحات الملونة باللون الأزرق،أما الخطوط الحمراء فتبين حدود المدن المشمولة وهي كل من الموصل وتكريت وسامراء وبغداد. رسوم بيانية تبين تغير ارتفاع الموجة في تقدمها على  مسار النهر ابتداء من موقع الإنهيار كما تبين وقت وصول الموجه خلال ذلك تغيرالتصاريف وارتفاع الموجة وأوقات الوصول والمساحات المغمورة في المدن الرئيسية مناطق الانغمار في كل من الموصل، تكريت، سامراء وبغداد الخلاصة، إن الجزء الشمالي وكذلك الجزء الوسطي من حوض نهر  دجلة سوف يتعرضان للدمار الشامل نتيجة الموجة الفيضانية المنطلقة من سد  الموصل في حالة انهياره، وسوف تكون الخسائر بالأرواح بما يزيد على النصف مليون إنسان كتخمين متواضع جداً بسبب غياب الاحصائيات الحديثة. أما الخسائر المادية فسوف تصل إلى تريليونات الدولارات بسبب تدمير الممتلكات والبنى التحتية بما تشمله من طرق وجسور ومحطات للكهرباء ومشاريع مياه ومجاري ومصانع وغيرها.إن توقيت وقوع الكارثة لا يمكن التكهن به  الآن، إلا أن سد الموصل سوف يبقى قنبلة موقوتة تنبض.

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى